free web hosting | website hosting | Web Hosting | Free Website Submission | shopping cart | php hosting

غرغرينا
نسرين طرابلسي


لا تهمه معرفة إلى أين تذهب الشمس بعد المغيب .. فلتذهب حيث تشاء ، ولتمت غرقا ، أو لتنطفئ إلى الأبد .
زمان .. كانت الشمس تشرق من الشرق ، وتتمشى نهاراً في البساتين ، وتتبختر شقراء على أرصفة السماء ، وتفاخر بفراء الغيوم .. وعند المساء تشيخ ، وتهرم ، وتدفن تجاعيد نارها في صدر الموج ، وتفحُّ غروبها الدخاني المتماوج بين الأحمر والنيلي ، وتجر ذيل نورها وراءها لتعود عند الفجر من غطستها معمّدةً بأكسير الشباب.
اليوم .. تبزغ من النافذة ، وتغرب من النافذة حبيسةً وراء القضبان التي ثبّتها ليمنع القطة من الخروج. لكن القطة مخلوق حرٌّ تدخل وتخرج من زاوية الزجاج المكسور، وتتخطى بطواعيتها القضبان، وتستضيف قططاً غرباء تقيم له ولائم من بقايا، ثم تقضي ليلتها حيث تشاء .. وفي الليالي الباردة تندس بين ذراعه وجسده بكسل مصدرةً هريرها الدافيء دون استئذان .
زمان .. كانت تستجيب لنداءاته من بعيد ، كان يكفي أن ينده بنبرة ممطوطة " تااااااعي" حتى تظهر في الحال مخترقة الجدار أو المقعد أو النافذة أو الملاءة كجنّي مطيع .
كان صوت صاحبها محبباً كرؤوس الدجاج التي بقيَ يسلقها خصيصا لها، حتى عندما لم يعد قادراً على إعداد طعامه .
النّاكرة أصبحت لا تردّ، وصارت أكثر عبثا وتمردا ً.. سيقتلها .. يحلف بأنه سيحاول للمرة السادسة قتلها ، لكنه يعرف أنها تتشبث به كما تتشبث بروحها الأخيرة .
حاول استمالتها ، واقتسام طعامه معها ، فلحست بلسانها الخشن صفار البيضة ، والتقطت فتات الجبن، ثم هرعت لاقتناص صرصار جوال .
راقبها متفكراً: إنها تدرّب غريزة الاقتناص ، تبحث عن إثارة .
كانت الشمس قد ذهبت تقتنص حياة جديدة ، في حين لم يكن هو قد غادر فراشه بعد . مدّ يده اليابسة بجلدها المشدود المتشقق ، كأرض لم تعرف المطر، ودسها في درج "الكومودينا" مخرجاً قطعة حلوى، التهمها، فعادت الدنيا إلى هيكلها الأوحد بعدما سرى مفعول السكر في دمه .
لم يعد يأبه للذباب المتهافت على قدميه .. صار الذباب يجد متعة كبيرة في التجمع على إصبعيه الكبيرتين .. قدماه المشوهتان لم تعودا همّه الكبير، وظفراهما الأسودان كانا على وشك السقوط.. هذا بالنسبة لأخمص قدميه .. أما أعلى رأسه فقد بدأ يخرّف ويشتم ويتفنن بالبذاءة، حتى خاصمه كل الناس، لقد صار مقرفاً إلى أبعد تصور.
زمان .. رغم قساوتها كانت أيام الشتاء في الصحراء أرحم بكثير من الصيف ، فالذباب يرتحل إلى بؤرٍ بعيدة فيما تستكين الزواحف في خنادقها وقبورها المؤقتة .. كان ورفاقه أبطالاً مغاوير يعشقون المهمات الصعبة ، وتزيدهم الظروف القاسية شجاعة واندفاعاً.. كميكانيكي طائرات ، كان يضطر للمكوث في موقع المطار السرّي طيلة الشتاء .
في عام 1972 تغير موقع ذلك المطار أكثر من مرّة ، وكرقيب أول سريع الحركة يفور في دمه ولاء أعمى للوطن ،كان ينفذ الأوامر ، ويتفاعل مع الأحداث وكأنها ستكون آخرة العدو ، ويوماً بعد يوم يزداد زهوه وإيمانه بنبل النضال وبالشرف العسكري ، وتأتي الإجازة قصيرة محملة بكل المغريات. فيعطي شبابه كل ما حُرم منه طويلاً ، ويدلل نفسه بإفراط في كل شيء .
يذهب إلى علب الليل ليحضر "سماهر"، كان يموت برقص النَّوَر ، ويذهب إلى السينما حتى يشاهد حبيب قلبه "بروس لي" سيد الرجال في فيلم التنين الذي حضره في يوم واحد أربع مرات ، من الساعة السادسة مساء حتى الثانية صباحاً ، وفي كل مرة يكسر فيها "بروس لي" بضربة كاراتيه أضلع عدوه ، أو يجرّح العدوُّ صدر "بروس لي" بمخالبه ، كان يصرخ هولاً وحماس ونشوة.
هو أيضا كان قوياً، صحيح أنه لم يكن يجيد حركات بطله الصيني الذي له طواعية قطة ، لكنه كان قادراً على رفع أربعة مقاعد حديدية بيد واحدة . وفي موقع المطار جرّ مرّة بأسنانه بحبل متين طائرةً بمحرك واحد وهو يطلق صيحات حنجرية زفيرية ، ويندفع إلى الأمام وسط تصفيق العساكر وصفيرهم.
كانت أيام الجيش آخر عهده الحقيقي بالقوة .

جرّ نفسه جرّاً إلى أن وصل المطبخ مع نهاية الجدار، حاملاً ألمه ودواره وأعوامه الأربعين فوق ساقيه المرتجفتين كعامودي خيمة وسط صحراء عاصفة . كان يجرّهما وراء ظهره المحني بغير انتظام كسنام جمل عجوز خسر لقبه . امتدت يده تبحث عن الدلّة التي يستعملها لأغراض مختلفة ، كان قعرها ملوثاً بآثار قهوة قديمة .. انساب ماء الصنبور هزيلاً، أخذت وقتاً طويلا ًحتى امتلأت . علبة الثقاب رطبة بين فوضى عمت المكان . تفتت رؤوس الكبريت الحمراء عندما حكها بضعف بالجزء الخشن من العلبة، وبذل تعباً ليعاود الكرّة . معجزةٌ أشعلت عوداً، أحيا به رأس "البوتوغاز" ورماه في الحوض المليء بالأطباق والمياه الآسنة، فانطفأ بفحيح مكتوم . انتظر حتى أعلن الماء غليانه بصخب، وفار الماء على المعدن الحامي. أسقط فيه الإبرة الزجاجية لحظات ثم أخرجها دون أن تلسعه سخونتها . منذ استفحل المرض لم تعد حاسة اللمس حيّة . ومنذ زمن لم تلسعه حرقة الحرارة أو يؤلمه الوخز ، لقد نسي حتى الشعور بالدغدغة ، وافتقد إحساسه بالطقس ، فلم يعد البرد أو الحرّ دلالة على الفصول .
اقترب من الكوّة الصغيرة الملاصقة للسقف ، رفع يديه الاثنتين ليركّب الجزء المعدني بالزجاجي . ارتجفت يداه بعجز .. أدخل الإبرة المعدنية بالسطح المطاطي لزجاجة المصل ، عيناه تنوسان ، يركّز ولا يرى، والضوء الذي يدخل من الكوة إلى عينيه ليعينه على الإبصار أعماه رغم خفوته .
بروقٌ كهربائية مذهّبة اخترقت رأسه ، ولُطخٌ فاقعةٌ ملونة أخذت تتراشق وسط عينيه . بعد عدة محاولات دخلت الإبرة في الزجاجة ، سحب الجزء السفلي ، فبدأت تمتص المصل إلى داخلها بينما كانت يده الأخرى تصارع لتفكّ زر البنطال الوحيد الذي بقي نظيفاً . أرخاه بسرعة إلى ركبتيه ، وعاد رافعاً يده إلى الكوة دافعاً الجزء السفلي من الإبرة بإبهامه .. اندفع الرذاذ في وجه الضوء ، عصر بيده جلد فخذه، اصطدم بالعظم ، غرس الإبرة أمام علامات الإبر السابقة ، لم يعد لديه لحم أو دم يكسوها بالعافية .
أخذ يهتز اهتزازا عنيفا... انتهى، سحب الإبرة ورماها في الحوض واتكأ على الجدار الرطب لبرهة، لم يعد يقوى على الانحناء لرفع بنطاله ، هاجمته رعشة باردة .
كلما عبر الممرَّ طالعته صورة "قمر" بالأبيض والأسود ، واختطفته بعد عنادٍ منه لنسيانها ، ووقاحةٍ من ذكراها لعودته بإلحاح.
"طوال عمرها كانت وقحة" يحلف بالله أنه لا يذكر كيف تعرّف عليها ، ولا كيف عرض عليها الزواج ولا كيف قبلت .. يذكر فقط الليلة الأولى التي أعقبها الطلاق.
تلك الليلة وبعد أول محاولة شعر بأنه لن يستطيع .. وبعد عدة محاولات صار على يقين بأنه عليل وعاجز. كان جاث فوقها يتصبب عرقاً حين حانت منه التفاتة خاطفة إلى المرآة، فتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعه . في تلك اللحظة ، هرب منها إلى كابوس رأى فيه نفسه في حيٍ تتراكم أكوام الزبالة في أركانه .. يتسكع على الأرصفة الزلقة ، يزحف عاجزاً بين مخلوقات تكشر عن ابتسامات منخورة، أصابعهم متفحمة يمدونها للمسه ، يرحّبون به في عالمهم السفلي ، يخطّون عبارات بذيئة على طحالب الجدار.
استيقظ من كابوسه ، وعلى جبينه عبارة" نفاية بشرية". وكانت قمر تصرخ وتولول بعبارة "طلقني".
قالوا له: "سكري الشباب سيضعفك"، وهناك فرق كبير بين أن يضعفه المرض ، وبين أن ينهيه ، أو يقضي عليه ، أو يفضحه ..
"يلعن أبوها بنت الكلب"، طلّقها.
ذكراها كفأس يهوي على مفرقه دون كلل ، لم يبق منها سوى صورة العرس المشؤوم ، صورة قديمة بالأبيض والأسود تبدو فيها قمر منتفخة بيضاء .. جسدها السمين يكاد يمزق الفستان ليفسح مجالاً لبياض لحمها.. شعرها مفتول كألف أفعى ، وملفوف كألف عقرب.. عيناها مكحلتان كقطعتي فحم يتوسط كلاً منهما فصٌ من الماس . يجلس أمامها بمظهر العافية ، ببذلة رجولة مخادعة سوداء، وأنشوطة إعدام حمراء ملتفة حول ياقته كربطة عنق ، جفناه مسدلتان كستار مسرحية خاتمتها معروفةٌ من عنوانها. هلل جمهورها للبداية بحماس ندبه الخاتمة .. عيناه تترقبان ببؤس نهاية حفل الزفاف ، ولمعة أمل ضئيل توسطت بياضهما.
لم يمزق الصورة رغم الألم الذي كان يتفتق عن مرآها.. كان يأمل أن تهترئ وحدها كبقية الأشياء ، ككليتيه اللتين فشلتا تماما ًحتى عن احتمال الغسل اليومي ، وعينيه اللتين نسيتا شكل الأشياء وألوانها تدريجيا، وشرايينه التي التصقت ، وعظامه التي انتخرت ، وأسنانه التي تساقطت ، وجروحه التي عصت الالتئام منذ أول عهده بالمرض .. قلبه وحده بقي ينبض كعبد مطيع ، كمضخة ماء يعلوها الصدأ ، أخذ القلب يرشح صدأ الذكرى ، وبقيت الصورة الوقحة لم تحتمل خيبته ، ولم تستر عجزه أخذت تصرخ وتولول" طلقني".
لم ينس أبدا، ولا يستطيع أن يصدق أن الآخرين نسوا . عاقب نفسه طويلا ً، وداوني بالتي كانت هي الداء ، كان يُسعَفُ إلى المستشفى عندما ينقص السكر في دمه ، وما أن يتعافى حتى يعود وحده ماشياً لا مبالياً، حاملاً بإحدى يديه علبة حلوى ، وبالأخرى مطربان مربى ، متأبطاً إبر الأنسولين ، ضارباً بالتحذيرات والمخاطر عرض المبنى الأبيض الذي أصبح فيه نزيلاً شهيراً ، كفتوّة السجن .
منذ شهرين أخذ اللون الأحمر بالزحف من رؤوس أصابع قدميه صعوداً إلى أعلى ، وتفشّت بقع الأكزيما التي تحولت حرشفية قاسية كلحاء غصن ميت . أظافره ازرقت ثم اسودّت، وعندما حاول قصّها انكسر المقص . كان يشعر بها تحكّه بشدة فيحكها، تتآكل أعضاؤه وتزحف بأكلها إلى أعلى كجحافل نمل وسوس. لم يعد ظفره يحك جلده، فصار يستعين بأدوات خشنة وحادة يفركها ..يفركها إلى أن يهدأ الألم ويختفي ، لم يكن ينزف ...صار بلا دم .
تمنى لو أن الفأس تكف عن ضرب رأسه ، وتتحول لضرب أساسه . تمنى لو أنه شجرةٌ تموت ، واقفةً تموت، يقطعون أرجلها ، يضربونها بالفأس من جهة ، وبالفأس من جهة أخرى ، ثم بدفعة إصبع تهوي ، ثم تحرق فتدفئ ، أو تقطّع لتُصنع سقفاً.. سريراً .. مركبا ً يبحرُ .. يحيا .. يتحرك.

تقيأت الجماعة الإنسان البالي ، تركته وحيداً منبوذاً . يعرف أنه صار ضيق الخلق بذيء الألفاظ وسخاً وعنيداً وشرهاً . كل ما يصدر عنه أصبح لا إراديا ً. صار الرجلُ الوحيد بائساً ، يستحي من الحياة وينتظر الموت .
عادت الذاكرة تملي شروطها على لحظاته الأخيرة ، رآهم بوضوح رغم العتمة التي أغشت بصره، يتشاجرون ، ويتفاوضون مَن يقبل إيواءه . واستعرضوا مساوئه أمام عينيه ، كأنهم يحزّون سكين النحر المثلمة في عنقه . وكان قرارهم حكيماً... تركوه للديدان.
شعر بالجفاف يغلّف فمه ، رفع إبريق الماء "زرنقه" ، مسح شاربيه المنكّسين ، وهوى على المقعد ، واندلق الماء.
القطة تموء ، تتخطى فخذيه ، لم تشك لحظة في احتمال موته ، بينما التلفاز يفرد شاشته الصغيرة للمرة الألف "للتنين" بروسلي ، يشرّع صدره المجرّح بمخالب العدو.
نسرين طرابلسي
قاصة ومذيعة أخبار في تلفزيون الكويت