free web hosting | free hosting | Business Web Hosting | Free Website Submission | shopping cart | php hosting

 ساعة رمل
محمد خالد قطمة

أحس أنه متعب جداً . مضت ليلتان لم يعرف إن كان قد نام خلالهما أم أنه لا يزال مستيقظاً . فيه شيء متيقظ على كل حال يمنعه من الشعور بالنعاس . كل همومه تهبط مع رأسه على المخدة . لماذا . حاول أن يقرأ تفسيرا من هنا وآخر من هناك . لا فائدة . يبدو أنه حالة خاصة في عالم النوم . ليته كان كذلك في عالم الصحو .
عيناه هادئتان إلا من شبه دمعة تسرح في آخر اليمنى . إنه العمر وهذه إحدى ضرائبه . لم تكن عيناه لتدمعا إلا حين يستحق الأمر البكاء أو الضحك . اليوم صارت عينه تدمع غصباً عنه . أشياء كثيرة صارت تغتصبه . هكذا أحس . سكت على حزن . سكت على خوف . سكت على استحياء . إنه لا يحب ما يكسره ولا من يكسره . هو أيضاً لا يحب كسر أحد . ما هو الممكن . لاشيء تماماً كما هو المستحيل . يلوذ بحائط الألوان : ذكرياته . أجمل ما يمتعه أن يتذكر . عندها لا منتصر سواه إذ سرعان ما يشطب هزائمه بالقفز فوقها أو تحويلها إلى انتصارات . أين تعلم ذلك . صح . تذكر .
يذكر حين رآها لأول مرة . أحس أنه يرى الوطن . من شوقه للوطن صار يشتاق إليها . ربما كان ذلك صحيحاً . العكس صحيح . تذكره عيناها بنبعة ماء . شعرها الطويل جسر شوق إلى حلمه هكذا كان يتخيله بينما هي غارقة في حوار جاد يعني لها الكثير . بدأ يشعر أنها تجيء إليه كما الذنب يبحث عن مغفرة يعجبها إلى حد التعمد باسمه ولكنها ترفض عبور النهر إليه .
صحيح أنه طبيب ولكن لا علاقة لمهنته بقلبها . يسعدها حديثه عن نفسه . عن ماضيه . تحس أنها تصبح جزءا من حياته ، رغم كل المسافات . تكاد للحظة أن تسأله التمهل لتتأكد من أنها لم تكن معه هناك . ولكنه لا يتمهل . غريب كيف ينتقل من الماضي إلى المستقبل . في الحاضر شيء يجرحه لذلك لا حديث له فيه . أحياناً يمر به عابراً إلى زمن آخر : زمن مضى أو زمن يجيء . لماذا لا يتحدث عن اليوم . هذه الكآبة في صوته تتقن الوشاية . كذلك فرحه معلن في صوته من الكلمة الأولى . صباح الخير تفضحه .
أحس أن النهار بدأ يقترب من ساعته . حاول أن يغسل وجهه ثلاث مرات كالعادة . مرة واحدة تكفي اليوم . اختصر كل شيء هذا الصباح . فنجان القهوة نصفه يكفيك الآن . ليذهب .
جلس إلى طاولة المكتب . حاول القراءة لكنه لم يفهم . الأفضل أن يستأنف حلمه . ارتاح عندما أسند رأسه إلى الكرسي . الآن بدأ ينام . هاهي أمامه تحدثه عن دنياها . هذه المرة هي التي تتحدث عن المستقبل . هربت من الحاضر إليه . فرح كثيراً . عرف لذة أجمل من اليقظة هي حلم الصباح . يكيف الناس والِأشياء كيفما يشاء . عندما أفاق عرف أنه لم يكن نائماً أبدا ً . كانت تغفو في عينيه فيغيب في حلمه . ربما . هو لا يدري اليوم و لكنه سوف يعرف غداً عندما لا تجيء . سوف يعرف إن كانت ستبقى معه أو تستمر رحلتها في الهروب . غداً . وماذا لو لم يكن هناك ؟ خاف . تعود الخوف حتى أتقنه . يبدو له أن الخوف أيضاً تعود عليه . كلاهما تعود الآخر : ساكناً ومسكوناً .
ولكن طالت به حبال الحلم . يكره أن يفيق . رنين الهاتف أيقظه . أف . يكره هذا الأخرس الرمادي حين يتكلم بصوت سواه .
أليس هو كذلك . بلى . الحياة كلها ساعة رملية . يرتعب من منظر الذرات النازلة . يقلب الساعة ولكن الذرات تنزل مرة أخرى . لا فائدة . كيفما وضعت تظل تنزف وقتاً ... تنزف عمراً لا يملك منه غير الحلم .
محمد خالد قطمة صحفي وأديب سوري