![]() |
أحمر " فالانتاين " يطلّ على عالم الفقراء..
عدنان كنفاني
إهداء : إليكِ.. سنونوة حملت لي من تراب وطني رائحة حناء ونثرتها فوق جفاف عمري فأزهر ألف قصفة خضراء شدتني إليكما أنت والوطن فتقاسمتما احتلال مساحة
قلبي.. أرى فيك وطني وأراك فيه..
حبيبتي.. أيتها الفلسطينية الصامدة في الناصرة.. حبيبتي.. رفيقة عمري..
إليك كل خفقة ينبض بها قلبي.. أهديكِ أنا ووفائي وقلمي...
ع.ك
استقبلني على غير عادته، هاشّاً باشّا، وما رأيته يوماً إلا مهموماً حزيناً.. وقبل أن أصحو من حالة دهشة اقتحمتني، عانقني بحرارة وطبع قبلة حارّة مخلصة على وجنتي..
نظرت إليه وأنا لا أكاد أصدّق أن هذا الواقف أمامي هو سالم بلحمه ودمه..
فلاّح بهرته حضارة المدينة فجاءها يحمل أحلامه وأمانيه، نفض عن كاهله أعباء حراثة الأرض وزرعها، وتربية الدواجن ورعاية المواشي والركض وراء واسطة تسهّل عليه الحصول على البذار المحسّنة وأشولة السماد ودهاليز التسويق و.. الخ..
ترك وراءه عجوزين، وبيتاً وأرضاً.. حمل زوجه وأربعة أطفال، وانخرط في سلك دائرة حكومية، موظفاً بسيطاً ليكتشف مع الأيام أن البذلة النظيفة التي لبسته، والقلم، والطاولة لم يحققوا لطموحاته في نهاية كل شهر أكثر من أجرة غرفة مظلمة واحدة في بيت تسكنه أكثر من عشر عائلات، وحياة على حافّة الكفاف..
يقول لي في كل مناسبة أنه مثل التي رقصت على الدرج.. لم ير رقصها أحداَ لا فوق ولا تحت..
ولا يكفّ عن الشكوى..
لم أكن في الحقيقة في حال أفضل من حاله، لكنني وهذه نعمة من الله أشكره عليها، لم أتعوّد على الشكوى، بل كنت دائماً مثالاً للمستمع الجيد..
اليوم بدا لي سالم سعيداً منشرحاً على غير عادته..
ـ كيف أمضيت ليلة الأمس.؟
فاجأني بسؤاله.. أوشكت أن أقول أنها ليلة مثل باقي الليالي، لكنه نظر نحوي شذراً وأردف بضيق:
ـ 14 شباط يا أخي.!
حاولت جاهداً أن أقارب بين ذلك التاريخ وبين مناسبة ما لكنني لم أفلح، وربما أوحت نظراتي الحائرة بما يعتمل في صدري، فقد تابع صاحبي بسرعة:
ـ عيد الحب.. فالانتاين..
ـ آه عيد الحب..
قلت دون تركيز محاولاً تبرير عدم معرفتي..
تراجع قليلاً إلى الوراء وبدا كأنه مقدم على اعتراف خطير، مؤكداً لي بأن صداقتنا الحميمة وحدها تفك عقدة لسانه.. قال:
ـ بدأ الأمر بسؤال سخيف سألته للآنسة زهرة.. فقد أدهشني ما رأيت خلال اليومين الفائتين بعد أن تحوّلت أرصفة المدينة وواجهات المحلاّت إلى لون أحمر مشعّ.. أجابتني والفرحة تقفز من عينيها:
ـ ولو.. فالانتاين..
كنت قد فرغت لتوّي من قراءة أهم العناوين في جريدة الصباح..
خمسة شهداء في غزة يسقطون برصاص الجيش "الإسرائيلي"..
طائرات الأباشي والـ إف 16 تقصف المدن والقرى الفلسطينية..
الدبابات "الإسرائيلية" تدخل قرى الضفة الغربية وتهدم عشرات البيوت، وتجرف مئات من أشجار الزيتون..
عشرات العائلات دون مأوى..
فقراء أفغانستان ينهالون ضرباً حتى الموت على وزير الطيران الأفغاني الذي نقعهم في عراء أرض المطار بانتظار طائرة تأخرت أو لن تأتي لتقلّهم لأداء فريضة الحج بينما يحاول مغادرة البلاد على جناح طائرة جاثمة بانتظاره تقلّه لحضور مؤتمر في مكان ما..
أمريكا تستعد لتوجيه ضربة ماحقة للعراق..
بوش يواصل تهديداته (لمثلث الشر.!) كوريا الشمالية، إيران، العراق.. ويبدي استعداده منفرداً لضرب (منظّمات إرهابية.!) تهدد أمن "إسرائيل.؟"
ميلوزوفيتش يطلب كينيدي وزعماء أوروبيين للمثول أمام محكمة "لاهاي" لأداء الشهادة، ويقول إن هجمات حلف شمال الأطلسي على يوغسلافيا أوقعت من الضحايا الأبرياء أكثر مما أوقعت قوّاته إبّان حكمه..
قلت بسخرية:
ـ فالانتاين.؟
اقترب مني وهمس:
ـ يا أخي أحياناً أسخر من جهلي.. كل هذا العمر وأنا لم أسمع بعيد الحب.. ورغم ذلك استهوتني الفكرة.. قالت لي زهرة:
ـ مرّة في السنة.. تشتري لزوجك وردة حمراء..
ثم غمزت بعينها غمزة ذات معنى..
سألته مستعجلاً:
ـ ثم..؟
نفض كتفيه بخيلاء، وأرسل ابتسامة ساجية.. وقال:
ـ قررت أن أعمل بنصيحتها.. تحسست آخر خمسمائة ليرة مستقرّة في جيبي، وقصدت أول بائع ورد.. لم أستطع أن أدقق النظر في محتويات المحلّ.. اللون الأحمر الفاقع كاد أن يسرق من عيني قدرتها على تمييز الألوان، ورغم ذلك لمست ساق وردة حمراء واحدة ملفوفة بلفافة بيضاء.. وقبل أن يرتدّ بصري رأيت البائع الشاب يقف أمامي، يقدم الوردة لي ويهمس بصوت رقيق، وبأدب جم:
ـ فقط بثلاثمائة ليرة..
مرّة ثانية تحسست الورقة النقدية في جيبي.. وفي اللحظة نفسها لفتت انتباهي واجهة المحل المجاور..
بائع أحذية.. تذكّرت أن زوجتي طلبت مني منذ أكثر من عشرة أيام عندما سألتها لماذا تمشي هي والأطفال في الغرفة حفاة الأقدام أنهم استهلكوا "شحّاطاتهم" القديمة، وأن أقدامهم بدأت تعاني من التشقق والثآليل، وأن عليّ أن أشتري لهم "شحّاطات" جديدة..
ابتسم بانتصار وأردف:
ـ اشتريت خمسة أزواج من "الشحّاطات" الحمراء بمائتي ليرة فقط..
غمز لي بطرف عينه وتابع:
ـ زوجتي وأولادي لم يسمعوا بعد بعيد الفالانتاين.. لكنهم فرحوا كثيراً "بشحّاطاتهم" الجديدة الحمراء..
اقترب مني وهمس باستحياء:
ـ يا أخي عيد الفالانتاين.. شغلة.!
شاركت فرحه بابتسامة باهتة.. وعدت لمتابعة قراءة تفاصيل أخبار اليوم الجديد.
عدنان كنفاني: روائي وقاص وناقد فلسطيني