![]() |
عشتـــانــوســـترا
عزيز التميمي
لحظة فجر طائشة ، بؤرة وغور وانمحاء أكيد ، سياط الحر والضجر ووجه المتاهة يتصحّر وأنا أصلّي ، الفتى يسجد ويبتهل وكلانا لعاب وفم مشلوح الزغب ، خطوة ترسم حد ابتداء وابتداء من ساقية الصدر، من ملاسة راحة عارية ، ينبئ
بالتواء يغيب في وهدة الصدر وربما الخاصرة ، استلقاء مخدر وثمة موجودات ، بوابة خشبية وصفائح بترول ، حرّاس مقنعون ببوسترات الطفولة المضطهدة ، فوق الجميع الهٌ غاضب ، سكوت يحبِّر شفاه السكوت ، والسكوت يطامن الخرس، في حُدبة الالتواء تنمحي امرأة من صلصال ، كائنة مخضرمة العصور .
****
أغوص في بؤرتي ، العمق يضيق ويضيق ، أمارس الابتعاد ، الابتعاد هبوطاً ، من طمث الصمت أزوق برعم الحركة ، ولاحركة تلد فيّ ، لانغمة تدغدغ وهني ، فأترسب كالغرين ، ينبت الشوك والطحلب على ربوة ظهري ، أستكين ، اللاّئب في قاعي يحث عجفة يقظتي ، فـأظن العواء ، العواء يستبيح لابوحـي .
****
تتشكل الأنثى ، تنسلخ ، تنثال رائحة عروقها ، تمد يدها ، وتدعك شفتها ، تطرف الريح نحافة رمشها ، النسوة بالذات يخربشن أثدائهن حين يلمحن عريها ، يجرفها ديدن الطرقات ، في النخاع ، تندرس شهوتها ، تعبر طيّات الغبش ، ينسحب وراءها الفتيان حفاة ، يطبعون بصمات سياحتهم أوراقاً صفر ، ببشرات معصورة ، يسكنون صوفية أفكارهم ، سامانات مراهقون ، متحذلقون ، متناقضون ، يشجون أحشاء الأسمر الطويل ويبذرون ، انفلاتهم جنوح وأسطر زحفهم فنون ، الكف والضلوع ، الصدر وشحمة الثدي ، ربلة الساق وانقصاف الوسط ، وواحدة تستحثهم في اللاّحدود ، من جليد مشاكس ، من جمرة باردة تتجاوز حز الصبر والحرج ، تفضض دكنة
غورها ، حين تستلقي بين يديه يبجل الفتى طيف عرّافته والنبوءة .
****
كنت في العمق ، من جديد ، من فجوتي أتابع استلقاءها ، ذلك الالتواء المخيف ، دهست راحتي ، طقطقت أسناني ، لمحت هوامش الرؤوس تقرض ذؤابات الريح ، الأرجل تقضم المسافات ، والإله الغاضب يتفلّت نتف أزيز يزرع الانكماش في جلود حرّاسه ، لم أكن لك ، من سماءين مختلفين ، عبس الفتى واغترف الريح بنفاذ صبر، كن وتكوّن في فوّهة شارع أقرع مجذوم ، متهرّىء الأرصفة ، كلمة مغسولة باللاّيقين ، نشرت دفئها حوله فتوهم حنكتها ، جريٌ وجريٌ وانصهار أنفاس ، شك في تميعها ، طراوة عودها ، فجّر في رأسه أقنية معسولها ، واعتقد للحظة انه
يحشد أثقاله وراء إنثيالات الضباب ، مسحت عرقه ، ابتسم ، جامل صرخته وسد خياشيمه ، موسم الدسم ولحم الأضحيات ، أنت خيوط من سراب ، قال وانقطع نفسه ، رؤوس أشجار التوت انحنت وأرخت هطولها ، الحرّ فجيعة ، مثل رحيل غامض ، أنت الوشم المهدد بالانقراض والانمحـاء ، بقايا حكاية ، أشلاء ظلمة تنوس في مسامات الجلد ، امرأة وكف تجرد قحط الأخاديد ، حيث ثورة الزبد ترمم التهالك ، ربما يتأرجح بين إحداثيات الحقيقة والوهم ، لم يستعذب فكاهتها ، مروق كالحلم ، تمرُّ المزحة باردة ، تغادر نقطة التبؤر ، تتناسى موسم النداء ، تمشي مشيتها ، قالوا عنها الكثير ، تصافح الرجال بحرارة ، تمارس الحب دون مقدمات ،
تتوارى عن الأنظار ، تتكور في شرانق خاصة ، تشرب لبن العجول ، بخواء عينيها ترسم خرائط حاضرها ، تتقمص أدوارها ، تسمعه يعلن نفوره ، تسكن هجيرتها ، في ليلة يتنكر ماردها بزي عامل سكة حديد ، قاطع تذاكر أو مقص حركة، تغريه ، فيأوي إليها ، تؤثث له الحنين ، تمسرح له الضجر ، في الغبش تقيد أطرافه بضفيرتها وتغيب عنه .
****
تزحف عشتانوسترا ، تحت بطانة جلدي ، تجوس امتدادات ضلوعي، تتأمل اتساع مداي ، فتلجم ثورها المجنح ، تتوغل في أجمات جسدي ، اختراق لفجوة الطين ، لينبوع الغموض ، تحاصر أسواري ، تبعثر تناسقات رياضي ، تشعرني بالرحيل ، بالانمحاء ، فأصحو ، أجد دموع السماء تسقي حرثي ،
والغيوم ترابط كالخيول من حولي ، تهمس في سكوتي .. ( أنت ) ، أسمع فحيح الهمس ، أرفع رأسي … ( أنتِ ) ، أيها العائد من حصون خصومك المتهدمة، تسيّد جواريك ليلة أخرى وعفِّر جلدك بترف السراري والغانيات ، يومك ترتيلة ختام سمفونية وجودك ، ساعاتك جرعات خدر زوالـك ، ذبولك ، صفقة جماجم السذج وقع بريدها قلم الرب الغاضب ، أتساءل عن هذا الإله أو هذا الرب ، الله ، أهو الله الحقيقي رب فرعون وموسى أم ربٌ وثني مخلوع مازال يمارس ربوبية فترته الانتقالية، فراشك أتلفه القمل ، أعرف معلومة سرية ، جلد مليكتي خدشته أنامل أخرى ، أقول خدشته ، وتقول بعد صراحتها، وقاحتها ، جلدي شربت دفأه أنامل هواي ، ميل
قلبي ، ولم يعد أسير وحشيتك ، أعوي وأعوي وأضيع في العمق ، على الجدران أجد إعلانات موت أغاممنون ، شهيد مخدع الخداع ، تحتشد حوله صناديد طروادة الصرعى ، فأشرع ماشياً أتحاشى تقاطعات الأضوية المرورية .
كانت كينونتها وانسربت في الانحدار ، انسلت إلى الغور ، إلى العتمة المتواشجة والهسيس ، إلى فضاءات الزرقة ورمد العيون ، ( مرّت من هنا ) ذكروها له ، قامة متلفعة بالسواد والسواد مائل للسمرة ، غروب زبد ودم ، وفوق الأغشية رماد، مرّت تخوض مرورها ، السمرة ملس ونعومة وشفرة برد ، الحواف أنطقة مغامريـن ، بقع ، رقط ، ويشماغ كهل عرسته الليالي ، براحتيها مسحت ضباب الإسفلت ، شرخت كثافة
الدبق ، ذكروها ، فانتفض يطحن استلقاء الأسمر الطويل ، كتبوا له المبررات ، الإيضاحات ، لم تكن عادية ، الفتى يصد صدوده ، تلبس أوراق اليقطين ، تأكل حصى الشواطئ، تلد دون حيض ، سرطانات ، ضفادع ، سحالي ، تلد أشياءها وتغيب ، ذكروا له كل ذلك ، قالوا له : تحلب ثدييها أفواه ربوتات آلية ، دكة صدرها انحناءة رمل ، شيء عجيب ، ما يذكر يذكي فيه جذوة طموح ، كائنة مخضرمة ، طور التكوين ، سلالة الانقراض ، يجد الفتى في الجري ، تضيق به الدروب ، فيخترق عمقه والقرار .
المشي عزاء آخر ، حكاية ركيكة السرد ، بالية على شواطئ لاوجود لها في جغرافيات التضاريس ، تتناول شعلة برومثيوس ، تلتقط تفاحة الدمار
، تفاحة وداع العري وتفاحة عزاء الأولمب ، المدللة تلحس أساورها ، فيتجلى الذهب ويتلألأ وجه هيلانة في غبشة البحر ، فأمشي ، أعتقد بتهشم الجدران الشتائية ، الوصيفة تطلق الأنوار ، تمهد لخطاي فألهج باسمها ، أجوب المتاهة ، أواسي جدب حقول جلدها ، أقاطع أشرعة الذاهبين إلى بحيرات الهلاك ، انهم نسيان وراء ظهورهم ، تركوها تعبث بقلوب خليلاتهم ، أبتهل ، علّ حدسي يقودني إليها ، القلاع والحصون ومزاغل الحرب ، مشاعل الحرس ، كلها تخدر لحظة النشوء ، فتمر خلسة من هناك ، أذكر وجهها الخلاسي إلى سيافي المرميدون ، الكل متفقون ، لاجواب ، الحراس مسحورون بحب إلههم الغاضب ، فأمشي ، كل الوقت أضرج قامات
الأعمدة بتفاهات ذاكرتي وسيول تبولي .
رؤوس تشج خاصرة أبي الهول ، الطاعون ، الطوفان ، أفواج الجراد والقراد والقمل تحصد مايزرعون ، أنامل الفتى تهرس حبات العرق ، أرق وغثيان ، بوابة سحر ، تزوق هيكل بنيانها ، نياشين ورحلة ابتعاد في حقل عوسج ، تموز الحائر يكفكف سيح دموعه ، في لهب الظهيرة يترك جسده للتآكل ، صهد الإسفلت ينهش قشوره ، من يزحف نحو من ؟ ، امرأة تُسكب في الفلاة ، في السكـون ، في السكوت ، زلال يشع نواته ، صفرته المنسوجة من خيوط الأنفاس الحارة ، تترك توابعها ، يحترق زغب جلدها ، تطير خصلات شعرها مع النسمة الملتفّة حول عنقها ، وتطير شتلات النظر ، يلوب تمّوز ، يداري
هزاله ، مشيته ، صوت في القفا ، سحيق في الضلوع ، ذعر في المخيّلة ، يتوزع غيم الذاكرة نتف منهكة في منحنيات الهبوط ، كانت هنا ، خفض بصره ، بؤرة ملوثة برحيقها ، تكلم الشجر ، تكلّم المطر ، تكلمت أشياء كثيرة ، هنا ، هناك ، فوهات الأزقة أشارت عليه ، اهتزّت درفتا البوابة ، التحمت الخرسانة ومقاطع الفولاذ ، إنها هناك ، في الوهدة المنبسطة ، في المنحدر الشمعي ، تضاجع كتلة مرمرية ، ترتل دعاءها ، تحرر أسئلة منفاها ، في خضم حشد الشوك والملح ، تروح ، تجيء ، ترتجي يقظة أخيرة ، محاولة بائسة للرجوع ، تلتفت صوب الفتى تتأمل قامته وملامحه ، دون جدوى من سماع صدىً تنزلق خطوتها التالية .
****
أفكار تضرب رأسي ، تلد في رأسي ، المطلوب مفروض أتلفه الإسهاب ، ضياع التنوين أفرغ محتوى جملة البدء من حماسة المكابـدة، ها أنا أقبل الانزلاق ببرود ، بجفاء لغوي مسلوق بالملل، انقرضت قطرات المورفين وتطهّر دمي من جديد ، عدت أشتهي المزيد ، أشتهي صيحات التكبيل وصور الغور والتلاشي ، أشم رائحة التراب ، أشم رائحتها وأشطب خيبتي ، لن تجدها ولن تفوز بليلتك المزعومة ، أهذي وأرتب هذياني ، حبل أفكاري ، أبتكر محاكاة مثالية، ربما أقتنع بهذا التأويل ، يشتعل في مخيلتي حلم الرغيف ، فأذكرها كما الرغيف وأغادر إجاباتي .
****
تستقبلها ترانيم الترحاب ، أطفأت المشاعل وابتعد خميس
الخيل والأشرعة، ستارة هيلانة تحبس نورها ، تسللْت إليها ، كانت تذكر تلك اللحظات ، وحين يعود تستقبله دعابات الخدم ، عاد المغوار لبؤرة موته ، أيها المسكين لم أتيت ؟ ، الدرب بوجهك تشاؤم ، لو تنتظره حتى يلفظ جملته البائسة ، منهم من قال سقته المدام ومنهم من قال نصل ساخن بأخدود ، تعددت الأقاويل وذاب خيط الحكاية في انسفاح المتاهة ، رأوها ، ريح الفجر تغسل درن حبلها السري ، تمشط تجاعيد صدرها ، سهم الاتجاه يتشظى ، يرى تموز الحلم واليقظة ، يسكن وجودها المرهق ، فيرتجف ، ملامح العجف ، خيط أسمر مدفون في ظلي ، التصقت بالجدار ، رممت فكرة الاقتناع ، يضيق العمق ويضيق ، ، أتحايل في إرساء نشوء
بأسفل قيعاني ، شيء ما يحشد في الجوف ، أسمع مقولة تخدش حدسي ، أحدس، أتصدّع ، تخوم تصبرها شفرات ، يغمض الأصيل عيونه ، الإله الغاضب يحرك لحظتها ، رغبتها الطرية حين يداعب مفاتيح أنوثتها ، فأتدرّج في ولادة رقبتي .
يندفع الفتى خارج أسواره ، يشهد مصرع ثورها المجنّح ، عزلاء تمر الغيوم في حضرة أرباب الأولمب ، يد ناعمة تجوس شفيف ظلمة عولس ، وأخرى تأكل ثألول جلد الكائنة المخضرمة ، تأزف لحظة التتويج ، من نقطة غور كنت أشيع أشلاء قامة البازلت ، سكرت بتسابيح الحسم ، لا مناص من السكوت .
****
تواشيح ، تسابيح ، أرقام حاسوب تقصد الصفر ، تصطف رؤوس الحرس وعسس الظلمة ، هامات
بركانية ، السنة تبلل شفاهها بالفضول ، وخزات بسملة وصحوة فجر ، تموز يلفظ دعاء الأرق ، على الجانبين تنهض أسوار المتاهة ، من حولها يضيق الاستلقاء ، ينطوي الالتواء ، يتدفق ، اختناق الأنفاس ، يشخب سكوت الجوف ، إعلان صمت ، انتفاء حركة ، وحدها تركل تصحر الممر ، تلتفت ، جدران بوجوه كالحة ، وراءها في البعيد ، قامة الفتى تضمحل ، الحراس أطفأوا الإنارة رُفعت أيد راعشة صوب السماء ، الخرس نخر هسيس الوجود.
****
كنت عاشر عشرة أشهد ، يتقيؤني فم الزقاق ، صرّت البوابة، أمطر السكوت ضجر الإله ، تكبير متواصل ، تتماهى الهدنة ، ساعة القيلولة تسرد الحكاية بتأمل وخشوع ، تلفظ عشتانوسترا جملتها
البكر فيبتسم الإله الغاضب .
****
……………………..
* (عشتانوسترا ): اسم امرأة مشتق من كلمات عشتار وفينوس وكليوباترا