![]() |
عن مجموعة سوزان خواتمي
فسيفساء امرأة
محاولة للتأويل وقراءة جديدة لواقع لا يتغير
من الصعب جدا أن أخوض حتى أذني في بركة النقد لأبحث في نصوص شهدتُ بذورها الأولى في رحم فكر الكاتبة سوزان خواتمي، وعايشت وحامها المزاجي، ومسدت رأسها ساعة المخاض العسير وانطلقت بين يدي الصرخات الأولى فرحاً بالنصوص الجديدة. واحتفاءً بالمجموعة القصصية الثالثة، كان لا بد أن أشارك بالاحتفال وأحظى بنصيبي من البشارة، فسوزان خواتمي تؤكد للمرة الثالثة أن الاستمرار عنوان الخصوبة، وأن الكتابة شأن إنساني أولا وحق من حقوق الكاتبات وليس حكراً على جنس بعينه!!.
وحرصاً على الأمانة النقدية والحيادية ورغبة مني في تقديم قراءة جادة لنصوص كاتبة أحترم تجربتها، ولأبعد مساحة الصداقة اللينة التي قد تفضي بي إلى الانزلاق في مطب المجاملة، اخترت من المجموعة نصين سرّبتهما سوزان دون أن أطلع عليهما، سأضعهما تحت مجهر القراءة ثم أغلفهما بنظرة انطباع خاصة لا بد منها(:
نقيق الضفادع:
هو آخر نص في المجموعة التي تحمل عنوان فسيفساء امرأة. واخترته لأنه عنوان يقلق هدأة العناوين الأخرى التي تتسم بشفافية واقعية. ولأن لغز الرمز يغريني ولجت النصّ لأبحث ابتداء من العنوان. فالبنية النصية لقصة متخيلة تمنح سلسلة من التوجيهات الداخلية لمجوع قرائها المحتَمَلين من خلال سلسلة من المفاتيح.
نقيق الضفادع أيقون صوتي، ينشط الذاكرة باتجاه مستنقع أو حرش ليلي ويخترق وحشة الصمت برتابة. فكيف جاء النقيق في هذا النص وما الدلالة التي يحملها؟؟
تعطينا الكاتبة مفتاح النص في الأسطر الأولى:" ثمة حكاية التقطتها من شفتي جدته عن قرية تهرب بكاملها، تترك خلفها حلل طبخها ونيران مدافئها وصورها معلقة على مسامير صدئة.
لم يعد يذكر التفاصيل الغائمة.
كل ما يرد خاطره شيء يشبه نقيق الضفادع...".
تحيلنا الأسطر الأولى إلى المستوى الأول (السرد) من لغة النص الذي يستلمه صوت "الراوي"، منشطةً ذاكرة القارئ دون توجيه إلى قصص كثيرة مشابهة منها ما هو محفوظ في الذاكرة الشعبية الجمعية كقصة الزمار والفئران، أو هجوم الجراد على قرية ما، أو أفلام النحل القاتل و طيور هتشكوك. هناك إذن هجوم أسطوري لنوع من الحيوان وصراع بشري مع طفرة غريبة لظاهرة طبيعية.
وفي لعبة تنقل زمني بين ما كان في الماضي على شفتي جدته، وبين ما يرد خاطره الآن رابط واحد هو نقيق الضفادع، ففي المستوى الثاني من لغة النص (الحوار) تتكشف مأساة هجوم الضفادع، بين الراوي وزوجته، عن تغير في الحالة الاقتصادية قبل هجوم الضفادع وبعده.
"صدقيني كنا بألف خير لولا الضفادع".
لعبة النص ارتكزت على قفزات زمنية مشهدية متتالية بين الماضي والحاضر، في مفاتيح تتموضع في بداية كل فقرة " ومضٌ من زمنٍ بعيد.. كان سعيداً"، "الآن على مشارف البؤس"، "مهما كان مجد البداية مورقاً، ففي النهاية ضاعت الأملاك..."، "عيناه كانتا في ذاك الزمان.."، "كان يحب اللعب واللهو..".
كل ذلك السرد حول منجزات الجد بلور صورة الماضي وأيامه السعيدة كأن متعة الوصف فاقت تركيز الرغبة في القبض على ماحدث حقاً، وقد يجد بعض القراء أن الكاتبة أفاضت في استرسال الماضي، لكنها شحنته بثراء لغوي ووظفته لخلق صورة ضدّية تؤكد على قسوة الحاضر ومعاناته الآنية.
مفتاح تفسير الحدث يأتي متأخرا في الصفحة الخامسة من مجمل ست صفحات:
رجال العائلة لا يسمعون، مشغولون باحتساء القهوة وبذر المزيد من الذرية في أرحام النساء". هذه العبارة تلقي العبء كله على كاهل الجد وتمهد لموته بعد أن أعياه التنبيه وشحذ الهمم لبناء السور "بورم خبيث أهمد حنجرته الزاعقة".
أما المفتاح الرئيسي فيكمن في اجتماع مجلس العائلة بعد موت الجد:
" كلهم ذكي وكلهم كبير المجلس.. تعالت الأصوات، تشابكوا تضاربوا، وبكت النساء والصغار..."
وسط هذا اللغط الكبير يتفق رجال العائلة على أمر واحد "البكاء على الميت حرام".
عند التصدي لحل شيفرة رمزية لنص تكون التأويلات مفتوحة على عدة معان، فإن لم يحكم الكاتب ربط رموزه بعضها ببعض يحدث أن يفلت منه زمام الترميز وبالتالي يضيع القارئ أثناء التفسير. فالنص المعنون بـ"نقيق الضفادع" تستنير قراءته بما يشبه أسطورة قديمة إلى أن أضافت الكاتبة ثعلبا:
"والثعلب يتسلل من الحكاية القديمة ويفتك بالمزيد من الدجاجات.".
رغم جمالية ومنطقية وجود ثعلب يغافل عائلة مشغولة بالنقيق حول الإرث ويسرق الدجاجات واحدة تلو الأخرى. يخفف من أثر النقيق أو الصراع ويصبح سبباً إضافيا لكي تخاف الأمهات على أولادهن "وقررن هجر المكان".
ولا تنس الكاتبة الربط بين أخطاء البشر على الأرض وهياج عناصر الطبيعة كنذير شؤم " يومها لم تسكت الريح، وامتزج صفيرها بعويل بكاء"... " بعد أيام قليلة ماتت الجدّة".. وإن بدا هذا المفصل مقتضباً وأقلّ بكثير من سردها الواقعي الذي احتل المساحة الأكبر من النص.
ثم تأتي المشاهد الأخيرة قصيرة ومتتالية ليدفع البطل ثمن نقيق الماضي ويبيع آخر ممتلكاته، كانون النحاس، أيقون النار والدفء والقوت اليومي. ويذهب إلى الحانة ليغسل عنه أثر النقيق بالنقيق.
إن الأرض العامرة التي يموت كبيرها ولا تتكاتف جهود أصحابها لحمايتها فيتناهشونها طمعا، تصبح نهبا للصوص، ولايعمر العز فيها من جديد. إنها قصتنا وقضيتنا، وها هي خلافاتنا المستمرة تقدم دجاجاتنا واحدة تلو الأخرى لثعلب الغفلة المتربّص، ونحن نرتخي ونتكاسل ونلهو بمجالس الحوار العقيم أو في حانات اللغط واللغو، إلى أن نخسر كل شيء.
القارب:
في هذا النص الرابع في فهرس المجموعة، تحيي الكاتبة من جديد فكرة "الندّاهة" ذلك الصوت الأثيري الذي يخرج من أعماق الإنسان ويروح يعلو ويكبر حتى يصمّ أذنيه عن نداءات الحياة الأخرى وأولوياتها، ويسحبه وراءه فيتبعه المُنادَى بطريقة أشبه بــ"المضبوع" الذي يتبع الضبعَ إلى حتفه بتأثير نظراته الجاذبة. وثنائيتنا هنا النداء والمُنادى، البحر والشاب، المغامرة والإنسان.
تقسم الكاتبة دائرة الصراع إلى فريقين (الشاب وحلمه) و(القوى التقليدية). والصراع مابين حلم ونصيحة أمر محسوم لصالح الحلم. والمفاتيح التي تسحبنا باتجاه الحلم منثورة بانتظام مع كل بداية لفقرة جديدة: "ترمش عيناه بتلك النظرة الحالمة..، يهجس بالبحر، يشتهي لو يجر القارب..، مازال على ناصية اليابسة متسمّراً..، تلك الرغبة.. ، مخاطر الحلم..، متشوّق لذلك الولوج.."
البطل إذن بعيد كلياً عن التأثر بشحنات الحكمة ونصائح التحذير، وخاصة عندما تلتقط الكاتبة لعجائز القرية تلك الصورة الستاتيكية المناقضة لحركة البحر وديناميكية الشاب الذهنية والجسدية وعنف النداء الداخلي" قامته الممشوقة..، يشمّر عن ساعديه..، يصلحُ..، يسدّ..، يجدد..، يعمل بكلتا يديه، يغني للمرساة..، ظل يعمل طوال الليل..، يغني للشراع.. "
في المقابل نقرأ في الصورة الأخرى "عند كل مغيب، تتكوم أجسادهم الهرمة..، ينطرون..، يسترقون..، لا يتذكرون شيئاً..، في مجلس العزاء..، يتمتمون..، يكرون حبات سبحاتهم.."
وبين الصورتين نجد الحياة قد دبت في "القارب" وحوّلته من وسيلة للإبحار إلى روح للانطلاق، بل إن الكاتبة قدمت القارب بدوره كجسد مقيد ينتظر الخلاص فالمجدافان: "كساعدين قويين متشابكين ينتظران فرصة مؤجلة للفكاك".
ولأن الأنثى في قصص سوزان خواتمي نادراً ما تغيب، فهي موضوع الحياة، ومحورها، ومحركها الأساسي، فلا بد ليكتمل النص من تجسيد الحلم/النداء على هيئة حورية جميلة، "تفتح قبضتها وتغلقها معاودة مناداته".
إن بناء نص "القارب" انطلق من هاجس الحلم إلى وجهة تحقيقه، دون المرور بحدث ما يحول مسار توقعات القارئ أو حتى ينأى بها عن القصد ولو لبرهة. كأن الصراع بين الأجيال تجرد تماما من معناه، فلاشيء يمكن أن يحمي إنساناً من خوض تجربته الخاصة، حتى وإن كانت عاقبة اللحاق بالأحلام معروفة ومكررة، كما تشير التحذيرات إلى ما انتهى إليه والد الشاب ضحيةً لنداء الإبحار.
لا تأل خواتمي جهدا في التأكيد على اشتغالها اللغوي الدقيق جملة جملة بحيث يخرج النص مطرزةً من المفردات، ويتحول الجانب التقني في النص بمجمله إلى لعبة لغوية فلا يمكن أن تتصفح القصة ولا يمكن أن تتجاوز فقرة، وإلا ستترك حلقة مفرغة ويضيع منك النص.
وشخصياً أنحاز كليّاً لنص قصصي ترتفع اللغة بمضمونه مراوغةً بين الرمزية والمباشرة، لتضعنا مع المعنى برفق على أرض الواقع، بعد أن ذكّرتنا بقواربنا المركونة في انتظار الإبحار نحو حلمٍ بعيد.
نسرين طرابلسي