free web hosting | free hosting | Web Hosting | Free Website Submission | shopping cart | php hosting

 محمد قرانيا
قراءة في قصة ( مفترق العمر)  لـ"سوزان خواتمي":‏

  تميل القصة إلى (التركيب) على الرغم من البساطة التي وسمت الأسلوب، حيث تقوم الحركة السردية ـ ظاهرياً ـ على قصة زوجين مثقفين، صيدلي وصاحبة مكتبة، تبهت العلاقة بينهما بسبب رتابة الحياة اليومية، ويلمح المتن الحكائي إلى الصورة المشتركة بينهما في داخل البيت، وعلى السرير الزوجي البارد.‏
أما المعنى السردي فيتأثث بمكوّنات لا تنبعث من المتن، وإنما يتمّ استحضارها إليه عبر فعاليتي الاسترجاع والاستباق، من خلال عمل الذاكرة، وكلا الملمحين، المتن الحكائي والمبنى السردي يشكلان جوهر قصةٍ فنية جميلة، على الرغم من أنها لا تحتوي على عقدة أو حدث درامي كبير، باستثناء دخول شخصية مثقفة جديدة إلى وعي الزوجة، بحكم عملها والتعامل معها في المكتبة، عوّضت بها شيئاً من المشاركة الوجدانية التي حرمها منها الزوج، وقد كانت في البداية تنفر من هذه الشخصية، لكنها مع التواصل باتت مقبولة، شغلت حيزاً من اهتمامها وتفكيرها.‏
جنحت القصة إلى تسليط الضوء على العلاقة المشتركة بين الزوجين، ولكن من منظور أنثوي أحادي الجانب، فالزوجة هي صاحبة المشاعر والانفعالات بحكم الكتابة النسوية التي تنحاز إليها الكاتبة بصورة عفوية: "ضمها إلى صدره، فسرى النمل في جسدها، وتراجعت مبتعدة" أما الرجل فقد اكتفت الكاتبة بتسليط الضوء على ملامحه الخارجية المرئية والمسموعة، من دون التغلغل إلى مشاعره الداخلية التي رصدت مثلها لدى الزوجة، فالزوج له لسان كحد السكين وشخيره مسموع، والرجل الآخر الدخيل "شاب نحيل برأس يقطينة، ولحية نابتة، يشبه غيره من الشباب، ببلوز فضفاض وجينز ضيق، كانت ملابسه المبللة تنقط فوق بلاط مكتبتها. مبللاً كقط أجرب.. لم يكن وسيماً، على العكس غامت تفاصيل وجهه، حالما التفت مبتعداً.."‏
إن الكاتبة على الرغم من انتحائها لإبانة مشاعر الشخصية القصصية الأنثوية، فقد عملت التوصيفات السردية للشخصين الآخرين على اتساع هذه المشاعر أيضاً، من خلال إضاءة ماهية الذكورة، واختلاف نظرة الزوجة لكل منهما، مما ساعد على إبراز المشاعر الخصوصية للزوجة، والتي هي خصوصيات عامة للمرأة أيضاً، فالزوج لا يدرك حقيقة التبدّلات العاطفية والفزيولوجية التي تطرأ على جسد الأنثى في سن اليأس، ولا يراعي مشاعرها، مما يجعلها تتعلّق بأحلامها بالآخر، على الرغم من شكله المهزوز، والذي لم تكن لعلاقتها به ما يمكن أن تدرجه تحت أيّ مسمى يوفّيه حقه من الوصف، مع أنها تشعر بأن وجوده يسليها.. إذ تسعى دائماً لإبقائه إلى جانبها في المكتبة..‏
"لحية بلا ملامح رافقت أحلامها الليلية كشيء عالق في الذهن، كلما تجاهلتها ازدادت حضوراً، أصابتها بطفح جلدي فوق خديها.."‏
إن تمكّن الكاتبة من أسلوب السرد منحها خبرة جيدة في انتقاء عباراتها الترميزية، مما يدل على ثقافة قصصية عالية، ويؤشر على رغبة في تخليص القصة من أي ترهل قد تصاب به، بسبب الموقف العاطفي، فاكتفت بالتلميح من دون التصريح، وظلت العلاقة الزوجية أو العاطفية غير الزوجية تدور حول خصوصية العنوان (مفترق العمر) وما ينتج عن هذه المرحلة من برودة في العلاقة، وفتور في الرغبة، عبرت عنها بـ "سحابة رمادية تعبر سماء حياتها.." وقد بهتت أشكال الأشياء وألوانها داخل المنزل "ما زال لحجرات منزلهما ترتيبها الهندسي المعتاد.. كل ما حولها ساكن كمستنقع بليد.. تلك المزهرية القديمة إحدى هدايا حماتها الكالحة كأنها شوكة في الحلق، وعثّ يرتع داخل الورود الذابلة في سجادتها الصينية.."‏
تمسك الكاتبة بزمام شخصيتها الأنثوية، فتجعلها تعيش واقع هذه الحياة الزوجية برتابتها وعاديتها وجمودها، وهي في ذلك لا تُحمّل أحد الزوجين مسؤوليات برودة العلاقة، والوقوف عند هذا المفترق الخطير من العمر، وإنما نظرت بعين الأنثى إلى بعث الحياة فيها، وإعادة الدفء إلى العلاقة الزوجية، فألقت على الزوجة وحدها مهمة تجديد هذه العلاقة، والخلاص من رتابتها، وحاولت كسر العادي، واجتاحتها رغبة عارمة بالتغيير.. لكن هذه الرؤية كانت من طرف واحد، فما أحست به الزوجة وسعت إليه، لم يلاق مجاله الرحب لدى الزوج، وما إن ابتدأت أولى خطواتها في بعث الدفء في الجسد، وذلك بالزينة للزوج وتزيين الفراش، حين صُدمت بعدم تفاعله معها، بل اتخذ ذلك مثاراً للهزء والسخرية:‏
"جنت زوجتي يا عالم!.. بعد تعب النهار تهجم علي كالساحرة.. لكنك ما زلت جميلة، يتدارك سماجته، ماداً إليها ذراعيه..‏
جسد يهرم وقلب عربيد.. حشوة الفراش قاسية تحطم ضلوعها.. الشراشف النظيفة جداً.. كفن يلفها.. تسقط في قاع النوم وهي تسمع ألحان هموده.."‏
وهنا تتفاقم المسألة، وتتسع الهوة بين الشريكين.. ثم بعد الانتهاء من القصة، لا بدّ أن يتساءل القارئ عن ماهية هذه العلاقة الزوجية الإنسانية، ويقف عند النقطة التي انتهت إليها الزوجة، وهي الحالة الرمادية الساكنة، فلا يرى سوى واقع حقيقي ماثل للعيان في مجتمعنا العربي، ويبدو أن السلوك السليم النظيف لا يستطيع أن يغيّر فيه شيئاً، لذلك حرصت القاصة على تجسيد الحالة، والاكتفاء بعرض أبعادها، وهذه أهم ميزات الفن القصصي الذي يعرض ويجسّد ويكشف ويعرّي، من دون أن يهتم بالنتائج والحلول التي هي من مهمة المصلحين الاجتماعيين، وليس الأدباء المبدعين.‏
ويلاحظ أخيراً براعة التعبير عن حالة الأنثى المثقفة الواعية، والوقوف على مشاعرها الإنسانية بأسلوب فني غير مباشر، حافظ على طبقة السرد العالية، فتغلغل إلى الأغوار النفسية بهدوء واتّزان، وواءم بين الواقعي والمتخيّل بنضج ووعي متميّزين.



محمد قرنيا
نشرت في مجلة الموقف الأدبي السورية