![]() |
محمد قرانيا
قراءة في قصة ( فسيفساء امرأة) لـ"سوزان خواتمي":
في زمن طغت فيه الحداثة، بات من النادر أن نعثر على نص أدبي يرفل بالرونق
الجمالي، والديباجة الصافية التي اعتدنا عليها في كتابات الرافعي والعقاد وجبران ومي زيادة، حيث السلاسة والعذوبة والصور الجميلة الواضحة التي تحمل إيحاءاتها رموزاً دانية القطوف، تصل إلينا مدلولاتها بهذه البساطة الموشاة بالشاعرية المحببة، التي بتنا نفتقر إليها في زمن التعبيرات المفتعلة، والصور الغامضة، والإيحاءات المبهمة التي تستعصي على الأفهام.
في هذا النص القصصي، قدمت الكاتبة نصاً يرفل فيه الأسلوب بثياب مزركشة تجذب إليها الحواس، بسبب ما حفلت به اللغة من مجازات وشّت الذاتي، اليومي والاجتماعي، الذي غدا جميلاً على الرغم من مأساويته..
إن العنوان "فسيفساء امرأة"، يحمل
دعوة سافرة للقارئ كي يرسل بصره للتمعن والتملي من هذه اللوحة الإنسانية الفسيفسائية، ويعني تنبيه حاسة البصر للوقوف على (كولاج) التركيبة التي تتشكل منها اللوحة الأنثوية، التي تعبّر بأحجارها الملونة والمتنوعة عن تعقيد تركيب المرأة في المجتمع العربي. حيث تغلب عليها ـ حسب معطيات القصة وترميزاتها وإيحاءاتها ـ سمة الحزن من جهة. والبعد المادي من جهة أخرى، بمعنى آخر، إن الأنثى تكتنف حياتها الصعاب، فهي مهملة عندما تكون فقيرة على الرغم من كونها في سن الشباب، ومرغوبة عند الكهولة والترمل، لأنها غنية يلمع في إصبعها خاتم ثمين، يجذب إليها أحد الشباب، فيتقرّب منها، عند ذلك تتخلص من جلدها
القديم، وتتجه إلى الدنيا بروح جديدة.
لقد غطى الأسلوبُ الشاعري الشفافُ المضمونَ، وقد استغلّت الكاتبة الترميزات بصورة فنية مميزة، تبرز فيها الخصوصية الأنثوية، كقولها عن أنوثتها المبكرة: "ألوذ خلف ظهر ابن الجيران مدعيةً الخوف، لأتقن، دون أن أدري، أول أدوار حواء المسرحية". ووصفها لخيبتها في الحياة الزوجية بعد أن هربت مع شاب، وقد مناها برغد العيش في بلد يكنز تحت حجارته الذهب "كانت أكبر الخدع وإن لم تكن آخرها، عاصفة رملية بعثرت الأحلام، وتركت حبّاتها الناعمة بين جفنيّ. أعركهما، وأكاد أبكي، فلا نحن عثرنا على مغارة علي بابا، ولا نحن اكتشفنا كلمة السر، ولا نحن في بال الأربعين
حرامي.".
وتصف حالة جسدها في أثناء الحمل "حلقي جاف وقلبي طبل أجوف... حين علت هضبة صغيرة فوق أمعائي..." وتقول عن عملية تخديرها عند الولادة: "سافرت فوق غيمة"، كما ساعدت الصور التوصيفية أسلوب السرد القصصي، وأغنتها بإضاءة الأحجار الفسيفسائية الأنثوية، أو بيان أبعادها الاجتماعية الحقيقية، كقولها في ابن الجيران إنه يشبه (مايكل جاكسون) وحذاؤها القديم كحذاء أبي القاسم الطنبوري.
إن شاعرية الأسلوب وجمالية الترميزات والتشبيهات، قد غطّت على عادية المضمون الذي حفل بأحجار فسيفساء كثيرة جداً، لا تصلح للوحةٍ قصصيةٍ فحسب، وإنما لرواية، مادام قد ابتدأ بتداعيات الطفولة، وانتهى
بالشخصية المحورية إلى ما بعد الستين من العمر..
محمد قرنيا
نشرت في مجلة الموقف الأدبي السورية