![]() |
دنضال الصالح
مقتطف من دراسة طويلة عن القصة النسوية في التسعينات
وتتميّز قصّة سوزان خواتمي: ”الحضن الكبير“ من القصّ النسوي في التسعينيات بمقاربتها لموضوع لم يشغل سوى مساحة
صغيرة من مؤرّقات قصّ التسعينيات عامة، وليس النسوي وحده، هو الحنين إلى الوطن، الذي يكابده المغتربون، ولاسيّما الذين وجدوا أنفسهم بين فكّين بآن: الإدمان على الاغتراب، والشوق الفادح إلى الوطن. والقصة أشبه ما تكون بقصيدة رثاء للذات المغتربة، بل قصيدة تفجّع على ذكريات لم يستطع النأي المديد عن مراتع الطفولة والشباب وعن الأهل والأحبة أن ينال شيئاً من بهائها، أو أن يحفر الزمن ندوبه القاسية فيها.
تبتدئ حركة القصّ في ”الحضن الكبير“ بأغنية فيروز: ”ردّني إلى بلادي..“ التي تضع الساردة / الشخصية الرئيسة في القصة وجهاً لوجه أمام سيل هادر من الحنين إلى الوطن لم يكن من بدّ للجمه سوى لجم
الأغنية نفسها: ”بذراع عصبية المزاج أخرسُ جهاز التسجيل، وأطبق بكفّي فوق دمعة كرجت على خدّي“، ثمّ سرعان ما تبدأ الذكريات بالانبثاق من غيابة الماضي موقدةً جمر الحنين، وممعنةً في استنهاض ما اندثر أو كاد من وقائع الطفولة الأولى وأحلام الصبا التي تبدو جميعاً كما لو أنّها ”قوارير مسكوبة يدوسها قطار العمر الماضي نحو أقداره فلا يتسنّى الوقت إلا لاشتمام بعض من روائحها“. وسرعان أيضاً ما تنفتح الذاكرة على الخصائص المميّزة للمدينة الجذر / المدينة الوطن التي لم تقو السنوات العشرون التي قضتها بعيداً عنها على تبديد فتنتها، أو إخماد وميضها في خلايا الروح كلّها: ”كبر الصغار وصاروا لصيقين
بموطئ أقدامهم الجديد، يرطنون بالأجنبية مستصعبين نطق الضاد، مستسلمين عن المحاولة، رغم أن لهجة القاف المرققة (لهجتي المحلية) يطيش لها صوابي فتبحث عيناي جذلة بالناطق، متمنية لو أسأله عن الشمس المشرقة دون استحياء.. عن الفستق الحلبي ذاك الذي يستسلم لشعاع القمر في تمامه، فتتفتح مسامه ويحلو مذاقه.. عن آذان الجوامع.. عن صلاة العيد والناس تردد الدعاء في البيوت.. في المذياع.. في التلفاز.. في عيون الصغار.. في قلوب الكبار“. ولأنّ تلك الفتنة، وذلك الوميض، كانا زادها في الغربة، بل خلاصها الوحيد من الأرق الجائر الذي كان يطارد لياليها، ولاسيّما في الأيام الأولى لغربتها، لم تجد، في خاتمة
القصة، جواباً للسؤال الذي تخيّلت أنّ الوطن قد سأله لها حين عادت إليه: ”شو اللي تغيّر فيك؟“ سوى القول: ”ما في شي، بس كلّ يوم كنت عبحبّك أكتر“.
وتبدو قصة سوزان خواتمي: ”الحضن الكبير“ أشبه ما تكون بقصيدة نثر، تسري الرهافة في عروقها كافة، وتذكّر القارئ بقصائد الشعراء المهجريين المترعة بذوب إنسانيّ خالب، وإذا كان ممّا ميّز تلك القصة، أو كاد، من قصّ التسعينيات عامة، مقاربتها لموضوع الحنين إلى الوطن، فإنّ بناءها الفنّي يقدّم أكثر من إشارة دالّة على ما يميّزها أيضاً، وعلى ما يرهص، بآن، بصوت قصصي سوري جديد يمتلك ما يؤهله ليكون نفسه ولا يكون سواه من جهة، وليشكّل إضافة إلى تجربة
القصّ السورية من جهة ثانية. ومن أبرز تلك الإشارات الاقتصاد الواضح في مكوّنات المحكيّ القصصي التي تتداخل فيما بينها بتناغم لافت للنظر، أعني: الشخصية، والحدث، والفضاء، واللغة، وزاوية الرؤية. ثمّ حركة القصّ التي تنتجها لغة رهيفة غالباً ما تجمع بين الماديات والمعنويات، فيتأنسن معها المجرّد ويتجرّد المشخّص، كما في: ”ذراع عصبية المزاج“، وغالباً أيضاً ما تبرع في الغوص على أعماق الشخصية الحكائية، وفي استجلاء مكنوناتها الداخلية وعلاقتها بالواقع الخارجيّ حولها: ”أتقلب فوق مجامر الفرقة والوجع يسكن الصدر فأسهر حتى يملني الليل الطويل فيقذفني ليتلقفني الصبح وقد أدميت أطرافه بأطياف الدار
والخلان لأسلم روحي ورأسي لإغفاءة البنفسج القصيرة قبل أن توقظني مهمات الصباح“. ومن أبرزها أيضاً فعاليات التقاطب المضمرة بين فضاء الوطن وفضاء الغربة، التي تنبثق من تلك الحركة نفسها: (شروق الشمس في الغربة وسطوعها في الوطن، رطانة الصغار بالضاد في الغربة وتفخيم القاف في الوطن، العيد في الغربة والعيد في الوطن، رائحة البنّ المحمّص في الوطن وبرودة طعم النسكافيه في الوطن). وعلى الرغم من أنّ محكيّ القصة يبدو نثارات من السيرة الذاتية للقاصة، فإنّ ما هو سيري يندغم بما هو جمعيّ، ويتماهى معه وفيه حتى ليبدو صوت القاصة / الساردة، المثخن بالحنين إلى الوطن، صوت المغتربين جميعاً، ولاسيّما
الذين لم تلوّث حمّى المال، والمال وحده، صلتهم بالجذر الذي ينتمون إليه.
د.نضال الصالح
نشرت في مجلة الموقف الأدبي السورية