free web hosting | free website | Web Hosting | Free Website Submission | shopping cart | php hosting

عدنان كنفاني
سوزان خواتمي... وكل شيء عن الحب.
 

ولن أقول وأردد كما كان طيب الذكر زهير "سئمت تكاليف الحياة.!" بل سأقول: ومن يعش مثلنا مخضرماً، عاصر الكثير من الأحداث السياسية والأدبية والاجتماعية.. لا بد أن يكون على قدر كبير من الصلابة، والقدرة على التحمّل تمكّنه من التعايش والتأقلم مع مراحل متعددة تنتقل به بسرعة خاطفة من ألق نجاح إلى قاع انحدار، ومن نصر إلى هزيمة، ومن قيمة إلى لا قيمة..
كان الشهيد غسان كنفاني "في حقبة الخمسينات والستينات من القرن الفائت" وهذا ما ورد موثّقاً في كتاب (فارس فارس) الذي حققه الأديب المعروف محمد دكروب، وقد جمع فيه ما كتبه غسان كنفاني مختفياً وراء اسم فارس فارس من مقالات نقدية جاء أغلبها نقداً وقراءة لكتب أدبية "شعر وقصة ورواية" وما كان الاسم المستعار غير ذلك الركن الذي يلجأ إليه المناضل غسّان يخرج إلى حين من عباءة القتال المباشر، ليمارس القتال على جبهة أخرى ثقافية قد تكون على ذات القدر من الضرورة..
كان الشهيد غسان يبحث دؤوباً عن الكتب المسفّة الهابطة، وما أن يعثر على أحدها -وكانت نادرة في ذلك الوقت- حتى تملؤه سعادة وغبطة وكأنه عثر على كنز، يأخذه إلى ركنه، ويسلخ جلد كاتبه وسنسفيل من صرح له بالنشر والانتشار..
اليوم.. وأنا بين تلال من الكتب الأدبية "شعر وقصة ورواية" أيضاً، أبحث دؤوباً عن الكتاب الجيد.!
أليست مفارقة طريفة تفتح الشهية لسؤال مشروع.. من المسؤول عن ذلك.؟
فجأة ودون سابق إعلام يقع صدفة.. واللـه صدفة.. كتاب لكاتب أو كاتبة، مغمور أو مغمورة، لم يسمع به أو بها أحد.. تقرأ بفتور بادئ ذي بدء، ثم تمسك بك الدهشة، تخرج من بين الأضلاع همسة حميمة.. تقول باسترخاء وحبور: اللــــه..
مقدمة طويلة أليس كذلك.؟ إذ ليس من المعقول أن أدخل عالم إبداع كاتب أو كاتبة ربما تكون أو يكون مجهول أو مجهولة لعلم الآخرين دون تقديم صورة عن حالنا، ودون أن ابرر لماذا أتناول في قراءاتي المتواضعة أولئك الذين يستحقّون ولا يجدون من يتحدث عن إبداعاتهم..
لا أتّهم أحداً ولكن وأنا مؤمن بأن المثقف النظيف هو ضمير الناس. عليه أن يحمل بشفافية هذه المسؤولية، ويشير بل ويضيء، بل ويساهم في تشجيع المبدع الحقيقي ليواصل مسيرة إبداعه..
سوزان خواتمي (*).. أديبة كاتبة قاصّة لم اسمع باسمها من قبل، صدفة أوصلت إليّ مجموعتها القصصية الثانية
"كل شيء عن الحب (**)"
وكانت أصدرت مجموعتها الأولى "ذاكرة من ورق (***)"ويؤسفني أنني لم أطّلع عليها..
وبين يديّ.. كل شيء عن الحب.؟ وهل نستطيع أن نخرج أو ندخل من وإلى ذواتنا ولا يكون الحب بمراميه المختلفة هو خليط وجودنا، ويواكب أدق حركاتنا.؟
هادئة نصوصها، ونزقة في آن.. تغوص في أسرار بيوت "مجتمعنا" المترامية، ووراء أبوابها المغلقة على ألف حكاية وحكاية، تنتزع قصصها من قلب الحقيقة، تحملها على لغّة راقية وساحرة، وتعالجها بفنيّة عالية، فتأتينا موجعة تارة، وفرحة تارة أخرى.. فيض حكمة تارة، ومنتهى غياب تارة أخرى.. مشاعر وأحاسيس صادقة نابضة، وأخرى باهتة وخائبة.. هي الصور التي سنجدها ذات لحظة بيننا وفي دواخلنا وفي بيوتنا.. تقول دون أن تقول أن فن كتابة القصة يجب أن لا يخضع لمعايير ولا إلى قوالب.. تتدفق كيف تشاء، تضع النقطة لحظة انتهاء إيصال الفكرة ولا تبالي بوصفها "قصيرة النفس.!" ثم تأتيك في النهاية بقصّة تحمل مشروعيتها وتلج قلوب المتلقين دون إذن، وهذا المتلقّي نحن.. كما أتصوّر، هو المرتجى من كتاباتنا..
كنت أقفز من قصّة إلى أخرى كالعصفور.. أغرّد معها عندما تغرّد، وأرتجف كلما ارتجفت، وأفرح كما تفرح وأبكي كما تبكي.. أدهشتني طريقة تناولها تفاصيل السرد، هي بعض تفاصيل صغيرة ويومية ومتحركة، يمارس فعلها الجميع في كل حال وآن، ويمارسها البعض في حالات بعينها.. لكن سوزان عندما تنبئك بما وراء هذه التفاصيل، ولماذا والمناسبة تقول في سرّك: والله صحيح، هو هذا.!
وهل من يصدّق في أنني أعجز عن شرح ما قلت.؟ وكي أنجو من تهمة التضليل سألجأ إلى بعض نصوص من كتابها علّها تساعدني في إيصال الفكرة التي أريد..
ها أنت تتابع حركة رجل "أكثرنا مرّ بمثلها" يعود لأسباب عديدة -غير مبررة- إلى بيته متأخرا..
"حين دار مفتاحه في ثقب الباب، وكعادته كلما عاد متأخراً، يدلف خالي الوفاض إلا من ابتسامة واسعة، فيبدو كطفل كبير، تساعده ملامح قررت ألا تشيخ.. ص 75 من قصّة نعلن الأسف"
وهي تتحدث بلسان صندوق شكاوي فارغ بالمضمون والمعنى والنتيجة وهو يعاني كما نعاني..
"رغم كل المحاولات الجادة لألفت الانتباه بلوني الأحمر الفاقع، والعبارة الصارخة على واجهتي، كأنها تنادي: هذا أنا "صندوق شكاوي" فما زال جوفي يصفر فراغه، لا اللون ولا الصوت كانا كافيين، لا شيء سوى الإهمال، والإهمال أقسى من البغض، إنه قتل بطيء.. ص 80 من قصة رسالة إلى"
وتلك الأنثى بأطياف تلوّنها، تعترف بمكنونات رومانسيتها الصادقة لكنّها تخفيها بخفر، تسيّلها "سوزان" بهدوء التفاصيل فتأتينا دافئة وصادقة..
"كنت قد اتصلت به وشهوة رؤياه تتخفى خلف الرغبة في شرب فنجان من الشاي، دخلنا المقهى فاقتصد في خطوته لتتجاوزه خطواتي خطوة، بخفة النسيم وقف خلفي تماماً، كاد يكون لاصقاً بي، ومدَّ ذراعيه لامساً كتفي آخذاً عني المعطف.. دقَّ قلبي مستجيباً لرقّته، رمشت بحياء، وفي العين إيماءة رضا مغرية.. من حظي السعيد انفرط عقد السماء فانزلقت حبّات لؤلؤها فوق الواجهة الزجاجية، موسيقا طرقها الخفيف فتح شهيتنا لهمس الغزل، وساقتنا أجواء العذوبة حتى حوافر الكذب الجميل.. ص 89 كادت خطواتنا أن تلتقي"
تلامس حدّ الروح في وصف أحاسيس أسرة عائدة بعد شقاء سنة من بلاد الغربة إلى الوطن..
"لا يهم.. مرّ الكثير ولم يبق إلا القليل، نفتح النوافذ، ما أطيب رائحة الهواء! نعبّه بأنوف تكاد تُضرب عن الزفير، فما حاجتها الآن إلا إلى الشهيق شوقاً. تتغير أحوالنا، فالعيون التي كانت متكسّرة الجفون بالنظرة المطفأة، تنقلب تحديقاً، والقلوب التي كسلت عن الخفق، صارت تدق بطبول ترقبها.. طبعاً!! فقد اقتربنا كثيراً منها.. ص 111 من قصّة تطاردنا اللحظة "
عندما يفلت الولد من حضن أمّه، تطلقه هي بيديها، لأنها إذا لم تفعل، فسيغادر على أيّ حال:
"منحته حلمه الجميل، وحملته وصاياي كي يكون شجاعا ًمثلي.. أمسكت نفسي عن النشيج أمامه، لكني لم أستطع منعاً لدموع احترفت الإقامة في المقلتين.. ص 146 من قصّة نغصّ صامتين"
وهنا دفق مشاعر أنثى فقدت زوجها باكراً:
"حين مات زوجها دون أن يمهد لذلك، لم يأخذ معه شبابها الذي لم يهرم بعد، وفؤادها المتطلب الذي يصرّ على أن يدق، وهي لم تتجاوز بعد طيش الرغبة.. ص 152 من قصّة مساء الاثنين"
حتى ذلك الطفل وهو يبحث عن صدر أمّه ولسان حاله يتساءل، وأتساءل أنا بدوري هل غير أمّ تستطيع وصف تلك الحالة.؟
"ستشاغلني بغنوة، ستصفر وتنغم كعصفور متنكر بثوب أم، النغم تلو النغم حتى يطيب خاطري.. ص 107 من قصّة شوشو لم يعد صغيراً"
وأم في أسرة فقدت ربّها تحاول تبديد أمانيها بمواصلة الشوق، نكتشف أن الابنة تعرف الدقائق أكثر:
"أمي التي هجرت غرفة نومها، متعللة ببرودتها شتاء، وحرارتها صيفا، تبدو حجتها واهية، كأنما لم تكن غرفتها هي نفسها منذ يوم تزوجت، وحتى لازمتها تلك العادة الغريبة.. ص28 من قصة كل شيء عن الحب"
ورجل فقد زوجته تشاغله امرأة لا تلبث أمام ظروفها أيضاً أن تتجاهل رغبتها:
"سنوات خمس مرت على ذلك النهار، وقت التقيته أول مرة في نادي المتقاعدين، كان جالساً على كرسيه المريح يتعافى من سطوة أحزانه، ويتصالح مع ما بقي له من حياة بعد أن دفن زوجته.. ص 11 من قصة غيمة لو أمطرت"
تعرّفنا كيف نلبّي رغبات أولادنا، ولو أوصلتهم موافقتنا إلى نهايات مؤلمة:
"انتفضت بعيداً عني وضربت بقبضتها المطوية على صدرها كأنها تستنطقه ليشهد.. ص 48 "اسمعي.. مرة أذعنت لرغبتها كما أفعل كل مرة فقد أمطرتني بوابل قبلاتها، أغرقتني بعسل لسانها، تآمرت مع ضعفي نحوها وانتصرا. رافقتها إلى السوق..... ص 49 من قصة نسرين"
تكتب سوزان خواتمي عن الحب، كل شيء عنه.. هو الحب المطلق، والمحتوم، والوافد الطبيعي والزاحف بطيئاً والآتي صاخباً، حب الروح وحب الحاجة وحب الضرورة وحب الواجب.. الحب المشروع والحب اللا مشروع.. عبر 35 قصة لم أخرج من تحت جناحين يخفقان في فضاءات الحب.. ولن أنسى العبور إلى قصّة وحيدة في مجموعتها لم تخرج بها عن مقولة الحب أيضاً، لكنها في هذه المرّة ألقت بنفسها عميقاً في الذات العامّة، ثم تدفقت عبر تلك القصة بالمقولة المثلي التي ترفض واقع الحال المفروض، والذي لو وجد طريقاً للتطبيق لن يقود الشرفاء إلا إلى الهلاك.. قد أختلف معها في تصوير النهاية المحتومة، لكنها دون شك أجابت عن ألف سؤال في قصة مسّت همّنا ووجعنا بسلاسة بعيدة عن الصخب والشعارات بلمسة دفء عبر شعور امرأة تعيش –ويجب أن تعيش وتحمل نصيبها من المسؤولية- أحداث الوطن، تتابع هذا الغريب العجيب الذي يجري ثم.. لا تجد غير يباس الموت ركناً تمضي إليه تعلن منه صرخة رفض قد تمسّ قلب الهمّ، وقد تستطيع من خلال تلك الصرخة رسم صورة مرعبة قاتمة لذلك الحالك الآتي على وهم شعارات ليس أولها عمليّة السلام.. ولن يكون آخرها التعايش والتطبيع..
"كانت في الثانية والثلاثين من عمرها لكن حيويتها تتقن غشنا فنحسبها في العشرين فقط.. أستغرب.. كيف يحدث هذا الجسد الضئيل كل تلك الضجّة.. ص 60"
"من يفوق أروى حين يتعلق الأمر بالخيال.؟ هذه المرة كانت خيالاتها مريرة لا تبتلع. في المستقبل القريب ستروض نفسها كي تجاور زميلاً "إسرائيلياً" تتبادل معه سوء النية، فتتلطف صباح الخير مرة، وشالوم مرة ثانية. أما رسومها الهازلة التي تنزف ضحكا اسود فعليها منذ اليوم أن تكون بأبعاد ثلاثية، فلا تغضب اليمين ولا تسيء لليسار، ولا تزعج الصغار، ولا تقلق الكبار، لا تكون معنا ولا تكون ضدهم.. ص 61-62" "لم يدر بخلدي أن الطفلة التي رضعت الحلم بهدير العودة، فوضعت الحقائب مرصوصة خلف الباب تسترق السمع وتنتظر.. وقد انتهت جرعة من غضب زائدة أودت بها.. لم يلجم جنونها منطق ولا حكمة.. هي الجميلة المشاكسة كشعرها الرافض لأي شكل من أشكال الانضباط، اختارت انسحابها، فقد استنفدت طاقتها على الاحتمال..كان اتصالها بي هو آخر ما سمعته منها.. وجدوها أمام شاشة التلفاز وقد تيبّست يدها فوق حقيبتها، تمنّعت أصابعها عن التقاط علبة الدواء، هكذا إذن، فما عاد لسانها يطيق لجاماً آخر حتى ولو كان مجرد حبّة قزمة تحته... ص 62 من قصة شالوم مرة ثانية"
هي إضاءات صغيرة، أتمنى أن تكون أوصلت قليلاً من متعتي في قراءة نصوص سوزان، الجديرة بحق أن نصفها بالقاصّة الاجتماعية تحمل كل وجوه الحب المعاشة وتسيّلها بدفء بين أيدينا، ولو أنني آخذ عليها قصر نفسها في السرد، فبعض القصص كانت تحتمل إطالة مفيدة..

*****

(*) سوزان خواتمي، قاصّة سورية من حلب الشهباء، مقيمة في الخليج..
(**) كل شيء عن الحب مجموعة قصص صادرة عن دار الصباح.. 154 صفحة قطع متوسط
(***) ذاكرة من ورق مجموعة قصص صادرة عن دار الصباح 35 قصّة

عدنان كنفاني روائي وقاص وناقد فلسطيني
نشرت في جريدة تشرين السورية