![]() |
غالية خوجة
تعبيرية قصص ( كل شيء عن الحب )
عبر خمس وثلاثين قصة تدخل (سوزان خواتمي ) إلى البنية الاجتماعية والنفسية من خلال شخوص تتعذب .. وتشتكي .. وترغب في صياغة شيء من الفرح .
تغلب الشخوص الأنثوية على النصوص بحيث تحايث
القاصة تطابقياً مواقع ( الأم / الابنة / المراهقة /الزوجة /... الخ ) ، ولا تنظر إلى الرجل ك ( ندّ ) بل تكتب عنه ك( عنصر إنساني ) متواجد في شبكة الحكي والقصّ المؤلفة من تفاصيل يومية ذاتية وموضوعية ، تتراكم لتشكل منحى النصوص المكتوب بتعبيرية واقعية وتعبيرية فنية تعكس ما يجري في اللحظة المعاصرة من حالات إنسانية تتحرك بين ( الحب ) و ( الموت ) و ( الطلاق ) و ( الفراق) و ( الحلم ) و ( العشق ) و( الخيانة ) ويتغلب المنطوق الموضوعي على حضور الشخصيات وعالمها المحيط تغلباً تأتي الحركة الفنية لتحمله وتضعه ك ( خلفية ) للقصة أو ك ( متن ) للمتن المنتسج عن طريق تنوعات ( الأنا الراوية ) بين
ضمير المتكلم وضمير الغائب .
وبذلك تكون القاصة قد اختارت زاويتين من زوايا التبئير ( الرؤية مع = الراوي المساوي للشخصية ) و ( الرؤية من خلف = الراوي العالم بكل شيء )
تنفصل هاتان الرؤيتان أو تتقاطعان لتنجزا ( الجملة الكبرى ) = ( القصة ) عن طريق وحداتها الصغرى الهاجسة بعدم الاستطالة نوعاً ما ، والمعتمدة في مرويها على الشخوص وهذا يؤدي إلى أن المجموعة هي ( قصص شخصيات ) تتسلل الكاتبة أبعادها الجوانية .. وهواجسها .. وأحلامها وذكرياتها .. وواقعها الواقعي زماناً ومكاناً .. وعلائق مجتمعية يظهر بينها الرجل الذي لا يحيا إلا من أجل العمل في القانون وقراءة القانون .
كما تظهر
شخصية الرجل بنوازعها نحو امرأة أخرى غير زوجته : (زوجة جاره الذي سافر إلى دبي للعمل ) في قصة (حالما يغيب ) .
كما يظهر الرجل بصورة الابن الراصد لملامح أمه الداخلية والحركية المتثبتة في المكان عندما تفقد أبناءها أو أحدهم وتمثلها شخصية (أيمن ) في قصة ( كل شيء عن الحب ) المبنية على علائق شعرية متداخلة بعاطفة الأمومة المرتكزة على علاقة إلماحية تتراكم تواترياً مع النسيج إلى أن تعلن عن كثافتها النهائية في الخاتمة المتشكلة ك (فلاش باك) دافع لفعل ارتدادي يمتد من جملة الأم التي هي الجملة الأخيرة في القصة عابراً سؤال الابن إلى بداية القصة : (وبصوت يكاد لا يسمع أضافت وسبابتها تشير
إلى باب الدار : لأنه يا حبيبي المكان الأقرب لكل قادم من الباب / ص31 .
وتطرح قصة (حامض - حلو ) قضية إنجاب الأولاد والعقم بذات الأسلوبية الفنية المعتمدة على الجملة الختامية لمنطوق إحدى الشخصيات .
كما توظف الكاتبة أحد عناصر القص ( الأشياء) ك ( شخصية ) فاعلة تتأنسن لتسرد ما يجري في الخفاء مثلاً قصة (يحدث دائماً ) حيث ( الكراسي ) تكشف عن علائق الناس وتشبثهم بمراكزهم (بكراسيهم ) حتى ولو كانوا غير مناسبين لها وهي القاعدة العامة .
وإلى ذات الانتقاد المجتمعي والوظيفي تنتمي قصة (رسالة إلى ) الناهضة على توصيف سلوكيات الموظفات والموظفين بإسلوب فيه من السخرية بقدر ما فيه من
الواقعية .
وتضيء قصص أخرى حالات الأنثى بين التمرد السلبي : شخصية البطلة في قصة (ميراث ) أو تلك التي تتمرد بينها وبين نفسها على زوجها الذي يمارس الخيانة ويصر على موقفه فتحتار وتكتب له ورقة لتعلقها كما تعلق بعض الأوراق أحياناً على باب الثلاجة لتقول له : أنا ذاهبة لخيانتك وبصراحة .
تقوم بينة هذه القصة على سرد مواز للوصف تتحرك فيه الشخصية ضمن الهاجس المؤكد للخيانة وكأنها ستفعل ذلك بعد قدوم الشاب وبعد تعليقها للورقة إلا أن القاصة تكسر أفق التوقع في نهاية القصة المعنونة (ملاحظة ) والمتوجهة إلى مخاطب (خارج نصّي ) هو في ذات الآن عنصر (داخل نصّي ) = ( القارئ ) : مهلاً مثل هذه
الأمور لا تحدث في حياتنا العادية ، وإن حدثت فبطرق أخرى أكثر تعقيداً إنها فقط قصة قصيرة أتركها أمامكم كما وجدتها .. دون خاتمة / ص 34
وتعرض قصة (أذن الفيل ) الصداقة الحميمية بأقصى اشراقاتها بين صديقتين تعاني إحداهما من السرطان إلى أن تموت بسببه وتظل نبتة ( أذن الفيل ) المهداة إلى الصديقة السليمة رمزاً وذكرى تستحضر صورة و روح الصديقة المتوفاة التي تظل تذهب إلى بيت صديقتها لزيارتها ناسية أنها في العالم الآخر .
وتنضم الغربة بين ( الكويت ) و( حلب) إلى النصوص لتنساب التداعيات اليومية البسيطة بين الحكي الخاطرة والقص ساردة جزءا مخفياً من سيرة الكاتبة عبر طريق السفر والعمل
والوصول الذي تنتهي به القصة النوستالجيّة المندغمة مع ( الأنا المعاش ) : (تطاردنا اللحظة )
ونلمس هذا الحس الوطني بطريقة أخرى في قصة (شالوم مرة ثانية ) التي تتعرض فيها الفتاة الفلسطينية ( أروى) إلى حالة من التمزق و الانضغاط تصل بها إلى درجة الإصابة بالقلب فالوفاة وهي تحاول الوصول إلى حبة العلاج .
ويكتسب ( الحب ) حالته الشاعرية من حيث المداليل والرومانسية المختلطة بمونولوغ مبتعد إلى الحلم المؤلف ل(فضاء تركيبي ) للذاكرة والرغبة والأمل وذلك في قصة (لو كانت معي ) التي يسردها البطل العازف في لحظة تألقه مع الموسيقا التي يعزفها . ولا يبتعد بطل قصة ( وتمتلئ الفرشاة بألوانها )
عن الفن ، فهو رسام يستعيد حضورات الانثى التي كانت هنا ، وعبر ذاكرته تسرد لنا القاصة ما كان يجري بينه وبينها إلى أن تعلمنا بأنها في المستشفى الآن لتضع حملها .
وتتوازى قصة ( كل شيء عن الحب ) مع قصة ( مرة أخرى ) من حيث تقابل الشخصيتين المضحيتين ، فهي في الأولى ( أم أيمن ) بينما في الثانية ( مرة أخرى ) فهي ( الأب ) الذي يحتمل الحياة وحيداً ليبقى مع ابنته الوحيدة التي تفاجئه بست كلمات تبدأ بها القصة مثلما تنتهي : سيأتي زميلي أسامة لزيارتنا هذا المساء . وبذلك تنتسج ذاكرة الأب وأحداث حياته تكويرياً في بنية مونولوغية تنفتح من جملة الابنة وتنغلق بها كنسق استرجاعي .
وبناء
علىماسبق ، نلاحظ أن المجموعة تمتعت بضجيج الحياة وانتقالاتها بين الصمت الداخلي والمحيط الخارجي انتقالاً مجسداً بمشهديات سيناريوهاتية أو مسرحية أو واقعية تتوازى فيها تعبيرات الثيمة الموضوعية مع الثيمة الفنية توازياً يتمحور حول عنصرين سرديين : ( الشخصية )/ ( الحدث) . فبعض النصوص تكونت ك( قصة شخصية ) وبعضها الآخر ك ( قصة حدث أو أحداث )
غالية خوجة شاعرة وناقدة من سوريا