![]() |
![]() |
عبد اللطيف الأشمر
مشاعر تتسامى على ديمقراطية الابتذال
( كل شيء عن الحب )
إذا كانت الكاتبة سوزان خواتمي كما قدم لها الناشر في إصدارها الأول " ذاكرة من ورق " تقفز كالغزال في دفاتر الطفولة والمراهقة وربما النضوج فقد قررت أن تكون
أكثر استقراراً في إصدارها الثاني .
المجموعة القصصية " كل شيء عن الحب " الصادر عن دار سعاد الصباح للنشر وإذا كان عنوان الكتاب الملتبس يشي بأننا سنكون أمام شهرزاد جديدة تستطيع أن تقدم مالم تتمكن من تقديمه شهرزاد نفسها لشهريار المشكوك في فحولته في ألف ليلة وليلة .. فإن هذا الالتباس سيزول مع قراءة القصص ال35 القصيرة جداً حيث ستكتشف أن الحب غير محتكر على رجل وأنثى بعلاقة معينة بل يتسامى إلى حب الأم لابنها ، والصديق لصديقه وكل أنواع الحب بتراتبية عفوية للمشاعر تكسر قواعد ديمقراطية الابتذال .. وإذا كانت هناك بعض الإيحاءات فإن هذا من شأن الكاتبة وحدها طالما أن مشاعرها تظل كامنة
في مناطق المشاعر من دون الانحدار إلى السلوك .
وإذا كانت الكاتبة - كما تقول دائماً - تسعى لامتلاك أدوات الكتابة التقليدية أو ما يسمى نقداً " التكتيك الكتابي " فإن مايشفع لها هو التواري وراء غلالة كلمات واضحة ومباشرة في سياق سهل يأخذك إلى النهاية بعيداً عن آليات السباق الماراثوني ، وليس بين ثنايا رموز تحتاج إلى خبير في تفكيك شيفرة اللغة " الأنثوية " ومن هنا فإن سوزان خواتمي تصر على أن تظل أنثى تنتمي إلى الأدب النسائي حسب المصطلح المتداول وتصر على أن تظل كذلك في زحام الانتقالات المفاجئة للكاتبات من مناطق الانوثة إلى مناطق الكائنات بشراً وحيوانات وجماداً .
إلا أن المتلقي
يستطيع أن يلمح بعض تباشير التمرد على هذا الانتماء الجنسي ، وهذه بدايات مبررة شرط أن تكون ملحوقة بمشروع ثورة إن لم يكن مشروع انقلاب على الأدب النسائي .
والحب عندها مثلاً في قصة " الموت الأخير " يصل إلى حد أن الأموات يطمئنون على الأحياء وكأنها حالة بعث مبكرة تسبق البعث الوعد ليعودوا- أي الأموات - إلى مثواهم باختيارهم ليمارسوا انتظاراً يدخل في الغيبيات خارج الزمان والمكان لكنه ليس خارج الحدود الإيمانية .
وتستعجل الكاتبة - وكأن شيئاً ما يطاردها - في انتقالاتها من قصة إلى أخرى ومع ذلك فهي تدخل في تفاصيل لا تحتملها إلا الروايات ذات الإيقاع البطيء ، محاولة أن تقول كل شيء في
جلسة قرائية واحدة وتحاول الكاتبة أن تترك الأبواب مواربة إن لم تفتح أبواب غرفها السرية والعلنية لا لمجرد إثبات الوجود والاستعراض المتكلف أو لتقديم سيرة ذاتية عن إمكانيات متوافرة تحتاج لتصديق من الجهات المعنية . وإنما السرد لديها يتجاوز كل هذه التوصيفات إلى الإمتاع حيث تترك فرص اختلاس فهم معين لقارئها الخاص جداً تعتقد أن من حقها ذلك طالما أنها لا تكسر العادات والتقاليد وطقوس الخفر ولا تخترق الخطوط الحمراء .. ولكن تقترب منها بالقدر الذي يعفيها من فتوى الرجم .
ولقد قضت الكاتبة أخيراً - ولست أدري إن كان آخراً - إن الحب ليس كل شيء وإن كان عنصراً مهماً مكوناً لكل شيء لكنها في
نهاية كل قصة تهرب منه إليه ، من دون أن تفرض تعميمات تدخل في مقررات التوعية التربوية والالتقاطات الأخرى التي يمكن أن تكون عابرة في سياق الحياة اليومية ليست كذلك عند الكاتبة ، فقد يأخذها مشهد حركي أو طبيعي وحدها من دون أن يأخذ غيرها ، ولكنها تحاول ألا تكون " النعجة السوداء " ومن هنا فإن ما يمكن قوله هو : إن الكاتبة واعدة في إطار مقولة
"الثقافة هي كل ما تتذكره بعد أن تنسى كل شيء "
عبد اللطيف الأشمر ناقد وصحفي لبناني
نشرت في مجلة الزمان الكويتية